مقالات

صفوة الأقلام .. بين المعارضة والمصلحة وضمير الكلمة

بقلم ايهاب المقدم

في زمن تحولت فيه الكلمة إلى سلعة ، والموقف إلى مزايدة ، لم يعد سهلاً التمييز بين من يكتب للوطن ومن يكتب لنفسه . ومن هنا تبرز ثلاثة أصناف من الأقلام ، اثنان كثيران وواحد نادر .

أولاً : قلم المعارضة الانتهازي .. ينتقد لأنه خسر
هذا القلم لا ينتقد بحثاً عن الإصلاح ، بل ينتقد لأن المنفعة التي كان يقتات عليها انقطعت . بالأمس كان يهلل ويصفق ، واليوم يقدم نفسه في ثوب الثوري وصوت الشعب .
نقده لا يتوجه إلى الخطأ ، بل إلى الأشخاص الذين حرموه من الامتياز .
حدة لسانه ليست من وجع الناس ، بل من وجع الكرسي الذي فقده . فإن عاد إليه المنصب ، عاد معه المديح .

ثانياً : قلم التمجيد المنتفع .. يمدح لأنه مستفيد
وهو النقيض تماماً .
لا يرى عيباً ، ولا يعترف بخطأ ، ولا يعرف كلمة لا .
مهمته الوحيدة تلميع الصورة وتجميل القبح .
يمجد المسؤول اليوم ، فإذا سقط غداً مجد خصمه بنفس الحماس . بوصلته تدور حيث تدور المصلحة ، وشعاره الدائم “مع من غلب”.
صوته عالٍ ، لأن خلفه منفعة .

ثالثاً : صفوة الأقلام .. تنتقد وتمدح للصالح العام
وهنا بيت القصيد .
هذا القلم لا يجامل ينتقد عند الاعوجاج حتى لو كان من أقرب الناس إليه ، ويمدح عند الإنجاز حتى لو كان من خصمه . لا يبحث عن منصب ، ولا يخشى قطع رزق ، ولا ينتظر رضا أحد . معياره الوحيد هو المصلحة العامة .
هذا هو القلم الذي يوجع الفاسد ويرفع شأن المخلص
الذي يذكرنا بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة .

ما الفرق إذن ؟
الأول والثاني يتغيران بتغير الظروف .. اليوم معك وغداً ضدك .
أما الثالث فيتغير بتغير الحق .. مع الحق أينما كان .
الأول والثاني يحيط بهما جمهور من المنتفعين ، أما الثالث فيلتف حوله البسطاء الذين تعبوا من الضجيج ويبحثون عن صوت صادق .

نحن لا نحتاج إلى ألف قلم ، نحن نحتاج إلى قلم واحد صادق في زمن كثرت فيه الأقلام المأجورة .
نحتاج من يجرؤ أن يقول “أخطأت” للمسؤول الذي يحبه ، و”أحسنت” للمسؤول الذي يختلف معه .
فالوطن لا يبنيه المطبلون ، ولا يصلحه الشتامون . الوطن يبنيه من وضع المصلحة العامة فوق مصلحته الشخصية ، وجعل من القلم أمانة لا وسيلة ارتزاق .

صفوة الأقلام قليلة ، لكنها وحدها التي تبقى في الذاكرة بعد أن تذوب كل الأقلام الأخرى .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى