* حين يكون القلم ضميراً :

* حين يكون القلم ضميراً :
بقلم/ ايهاب المقدم
الصحافة ليست وظيفة بل هي عهد بين الإنسان والحقيقة والصحفي الصادق الحر هو من وقّع هذا العهد بدمه لا بحبره .. هو الذي يجلس أمام ورقة بيضاء وقبل أن يكتب أول حرف يسأل نفسه سؤالاً واحداً فقط ما هي الحقيقة ؟
لا يسأل: كم سأقبض؟
لا يسأل: هل سيغضب مني فلان؟
لا يسأل: هل هذا يخدم مصلحتي؟
لأن نفسه لا تحدثه عن مقابل .. يده لا ترتعش أمام تهديد ولا تلين أمام إغراء قلمه لا يعرف المحاباة ولا يجيد المجاملة ولا يبيع الكلمة في سوق المصالح …
ولأن الصدق مكلف لذلك هو نادر والصحفي الحر يدفع الثمن من راحته وأمانه وعلاقاته ، وأحياناً من حريته .. الكذب طريق مفروش بالورد والمناصب والدعوات أما الحقيقة فطريقها وعر وبابه ضيق ولا يعبره إلا من كان قلبه أقوى من خوفه ومصالحه ..
فالمحاباة تفتح لك الأبواب المغلقة والمجاملة تكسبك ود الكبار والمصالح تبني لك بيتاً من ذهب لكن كل هذا يسقط في أول اختبار للضمير .. والصحفي الصادق اختار أن يسقط كل شيء إلا ضميره ..
ولذلك مايميز الصحفي الصادق انه يبحث عن الحقيقة لا عن السبق لا يلهث خلف ترند ولو كان كاذباً قد يتأخر في النشر يوماً لكنه لا يتأخر عن قول الحق لحظة ..
ويرى الناس سواسية أمام قلمه ، المسؤول والمواطن ، الغني والفقير ، الصديق والخصم .. معياره واحد هو أين تقف الحقيقة ..
ويخاصم الكلمة قبل أن يطلقها ، يراجعها ، يدققها ، يختبرها .. لأن الكلمة التي تخرج من قلمه قد تبني وطناً ، أو تهدم بيتاً ، أو تقتل بريئاً ..
فهو لا يملك إلا كرامته ، قد يكون فقيراً في ماله ، لكنه غني في سمعته .. ينام وهو يعرف أن وسادته لم تتلوث بحبر مدفوع الثمن ..
وهو نحتاجه اليوم في زمن ضجيج الشائعات ، وصخب التضليل ، وتجارة الذمم ، فصار الصحفي الصادق الحر هو خط الدفاع الأخير عن عقل المجتمع .. هو المرآة التي نرى فيها وجوهنا كما هي ، لا كما نريد أن نتجمل .
فإذا مات هذا النوع من الصحفيين ، مات معه صوت الضعيف ، وماتت معه الحقيقة ، وبقينا نحن نصفق للسراب …
والصحفي الصادق الحر لا يكتب ليرضي أحداً .. بل يكتب ليُرضي الله ، ثم ضميره ، ثم التاريخ .
فقلمه ليس للبيع ، ولا للإيجار ، ولا للمجاملة .
قلمه أمانة ، فإن خانها ، خان نفسه قبل أن يخون قراءه ..
وكلما رأيت صحفياً يُهاجَم لأنه قال الحقيقة ، فاعلم أن في هذا الوطن بقية ضوء .. لأن الصحفي الذي لا يزعج أحداً بكتابته ، لم يكتب شيئاً يستحق القراءة .




