تقارير وتحليلات

هل تلجأ واشنطن وبكين إلى المحاكم الدولية أم إلى صوغ نظام عالمي جديد؟

كتب / فؤاد بكر

في ظلّ انتشار “كوفيد-19″، بدأت الدول تتّهم بعضها ووصلت إلى الذروة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، إذ اتهمت الصين الولايات المتحدة الأميركية في البداية أنها مَن صنعت  هذه الجرثومة، واتهمت الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها حاولت إخفاء الوباء وتعمَّدت نشره في العالم بسبب التأخّر بالإعلان عنه.

في ظلّ هذه المُناكفات، خرقت دول عديدة القانون الدولي. من أبرز هذه الخروقات موضوع قَرْصَنة المعدّات الطبية والكمّامات من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى، ولكن في بحثنا هذا سنركِّز على الصين والولايات المتحدة الأميركية، فإذا أرادت الصين أن تُحاكِم الولايات المتحدة الأميركية أين تحاكمها؟ وإذا أرادت الولايات المتحدة الأميركية أن تحاكم الصين أين تحاكمها؟

إن المسؤولية الدولية لا تكون إلا على عاتق دولة أو منظمة دولية لإصلاح الضَرَر الذي سبّبه تصرّف غير مشروع، حيث أن المسؤولية لا تتقرّر إلا لمصلحة دولة مُتضرّرة، ففي الفُقه الدولي والقرارات والاتفاقيات والمحافل الدولية كل ضَرَر يوجِب المسؤولية. فعلى مَن ستكون المسؤولية إذا بوشِرَ في التحقيق؟

لنبدأ بشكوى الولايات المتحدة الأميركية ضد الصين والمتمثلة بالتأخّر عن إبلاغ منظمة الصحة العالمية عن الوباء “كوفيد-19″، استناداً إلى المادة 75 من نظام منظمة الصحة العالمية.

أي مسألة أو نزاع يتعلّق بتفسير أو تطبيق هذا النظام لا تتمّ تسويته إلا عن طريق التفاوض أو إحالته إلى محكمة العدل الدولية، واستناداً إلى المادتين 21،22 من نظام منظمة الصحة العالمية تمنح المنظمة سلطة اعتماد لوائح تنفيذية باعتمادها على لوائح تدخل في حيّز التنفيذ بالنسبة إلى جميع الأعضاء. وبالعودة إلى المادة 64 يُقدّم كل عضو تقارير إحصائية صحية بطريقةٍ تُحدّدها المنظمة، وتشير المادة 6(2) بإبلاغ منظمة الصحة العالمية عن أي وباءٍ في الوقت المناسب، وتوضح المادة 7 بتزويد منظمة الصحة العالمية بجميع المعلومات الصحية. وبهذا تكون الشكوى ضد الصين أمام محكمة العدل الدولية، كون أن الصين عضو طرف في منظمة الصحة العالمية، وبالتالي يجب الاحتكام وتطبيق نظامها، وعضو طرف في محكمة العدل الدولية، وتكون الشكوى بسبب فشل الدولة بواجبها وعدم الإخطار بشكلٍ سريعٍ وعدم مشاركة المعلومات المُتعلّقة بالأوبئة في الوقت المناسب.

أما إذا تقدَّمت الصين بشكوى ضد الولايات المتحدة الأميركية فستكون في المحكمة الجنائية الدولية، وهذا ما يصعب فعله لأن الولايات المتحدة الأميركية والصين ليستا موقّعتين على نظام روما الأساسي للمحكمة، إلا إذا تقدّم مجلس الأمن بها، أو إذا وقّعت الصين على نظام روما الأساسي.

وتكون الشكوى بتهمة جريمة العدوان وجريمة حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفي ظل تهديدات الولايات المتحدة الأميركية للمحكمة الجنائية الدولية، والحُكم على مصيرها بالفشل منذ إنشائها واعتبارها كمصير عُصبة الأمم وكمصير أية اتفاقية لم توقّع عليها أميركا.

في كلا الحالين يبقى مجلس الأمن الحاسِم للموضوع، وكون الطرفين عضوين دائمين ولهما حق الفيتو تبقى المسألة مُعقّدة للغاية، فإذا صدر أي قرار لن يكون مُطبّقاً، ولو كان تحت تهديد الصين بعقوباتٍ ماليةٍ واقتصاديةٍ، لأن الصين ليست كوبا ولا فنزويلا، فالصين لها وزنها في التجارة العالمية، والعالم مُحتاج إلى صناعتها، وإلا حصلت هناك فجوة صناعية واقتصادية عالمية.

يبقى الحل الوحيد أمام الولايات المتحدة الأميركية والصين هو الاحتكام والبدء بمفاوضات لصوغ نظام عالمي جديد مُتعدِّد الأقطاب، لن يكون رأسمالياً ولا شيوعياً ولا حتى ديمقراطياً، أعتقد إنه سيكون مزيجاً من الاشتراكية العلمية والديمقراطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى