مقالات

67 … العقدة الخفية !!

 

كتب / ضياء الشهابي

أحد آثار نكسة 67 النفسية أمام الكيان والتي تمتد إلى الآن هي ظهور أجيال ” من مختلف الدول العربية ” تلبست رؤوسهم أن الكيان ومن ورائه أمريكا يفعلان مايريدان ،

والحرب معهما بالضرورة خاسرة ، وأن وجود الكيان كدولة في المنطقة أمر حتمي لامفر منه …

 

هذه العقدة مزروعة داخل بواطن عقول تلك الأجيال ولايصرحون بها لأنهم لايدركون أنها هي المسؤولة عن بناء أفكارهم إزاء ماهية إسرائيل ووجودها ، وعليه ، فإنهم يرون أن أي شعار يرفع ضد الكيان خلال الوقت الراهن يعد امتداداً لشعارات عبدالناصر التي سبقت الهزيمة ، وكل عمل سياسي ضد الكيان يعادل الأعمال السياسية لناصر قبل الحرب ، وبما ان اسم ناصر حينها ارتبط بالوحدة والقومية العربية ، ستجد أن كل من يعاني من هذه العقدة يتنصل عن عروبته وينكرها ويسخر ويزدري دعاة الانتماء لها ..

 

ولكي لايلتبس على القارئ الأمر ، فإن ” الإخوان المسلمون” لايدخلون ضمن هذه الفئة وإن كانت لديهم ذات العقدة من ناصر ولكن لأسباب أخرى تتعلق بالقمع الذي حدث لهم في عهده ، وعليه فإنهم يقدمون مشروعهم الخاص بهم … الإسلام بديلاّ للعروبة ، والأمة الإسلامية بديلاّ للوطن الأم الذي لايعترفون به في أدبياتهم .مع بقاء نظرة العداء ” ببراغماتية شديدة ‘ للكيان على أسس وضعها حسن البنا وسيد قطب …

 

إن الفئة التي أعنيها في حديثي هنا هم الليبراليون العرب ، الذين يرون وجه ناصر في كل قائد في المنطقة يقف ضد الكيان ، ويتبع ذات الوسائل ويستخدم ذات الأدوات التي استخدمها عبدالناصر في عدائه للكيان قبيل النكسة .. ولكن السؤال هنا : لماذا لم ينجح نصر أكتوبر 73 في إزاحة تلك العقدة عنهم ، باعتبار ان النصر على الكيان بالإمكان تحقيقه؟!

 

في الحقيقة ، هم لايرون في أكتوبر نصراّ بقدر مايستشعرون أنه نجاة ، نعم ينظرون له أنه كذلك ، باعتبار ان تلك الحرب التي قادت إلى النصر حرباّ خاطفة لم تسبقها تمهيدات او شعارات اشعلها السادات بأسلوب سريع ومباغت ليسترد الأرض ” التي تعنيه فقط ” ، ولو استمر في تلك الحرب إلى أرض فلسطين لمني بالهزيمة . يرون أن السادات كالثعلب الذي اختطف الفريسة من فم الأسد ، ولم يكن بالإمكان أفضل مما كان كما يزعمون .

 

يعتقدون أيضاً أن مخرجات تلك الحرب ، السياسية منها ،

والتي قادت إلى التطبيع والسلام مع الكيان ، لا بد ان يقف التاريخ عندها ولايتعداها بأية حروب أخرى ، ومن الواجب على جميع دول المنطقة ان يسيروا على ذات النهج ، وعلى طريقة فرانسيس فوكوياما مع الرأسمالية إبان انهيار الاتحاد السوفييتي ، تصبح كامب ديفيد هي نهاية التاريخ لصراعات المنطقة …

 

هم يمتلكون جزءاً من الحقيقة على اعتبار أن خطة الخداع الاستراتيجي للسادات تنم عن حنكة ساهمت بشكل كبير في تحقيق النصر ، لكنهم يغفلون – في الوقت نفسه – أن نصر اكتوبر يعد السلسلة الاخيرة ضمن بناء عسكري وسياسي وثقافي وتعبوي وتحولات إقتصادية قادها الزعيم عبدالناصر ، وأن حرب الاستنزاف التي تلت النكسة هي إحدى نتائج هذا البناء الذي أصّل ثقافة عدم تقبل الهزيمة وعدم التفريط في الأرض ، وهو ما آل بعد ذلك إلى تحقيق نصر أكتوبر ..

 

وفيما يتعلق بالسلام الشامل مع إسرائيل كمشروع يريدونه أن يصبح واقعاً ، فإن هذه الفئة تتغافل عن مسألة أطماع الكيان التوسعية المبنية على روايات توراتية والتي يتبناها اليمين المتطرف الإسرائيلي ممثلاّ ببن غفير وسموتريتش ومن خلفهم نتنياهو ، والصهيونية العالمية بصورة عامة ، وهو ماظهر واضحاّ أيضاً في تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل في حديثه عن أحقية الكيان ” الدينية في التوسع على الأرض باعتبار ذلك أنه وعد الله لهم” ، مايترتب عليه ابتلاع دول وأجزاء من بعض دول المنطقة ، ضمن خطة طويلة الأمد ، حتى ولو اضطروا إلى تأجيلها لأجيال وفترات ينتظرون فيها ضعف الدول المحيطة على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية لكي تكون عرضة للابتلاع …

 

وعليه ،فعلى الجميع استيعاب أن الكيان الإسرائيلي هو الخطر الوحيد المحدق بالمنطقة ، والصراعات البينية بين الدول الأصيلة في الشرق الأوسط ماهي إلا نتاج لماكنة إعلامية خطيرة ومشروع بنيوي مرتب ساهم في بث الانقسامات والفرقة وزعزعة أمن المنطقة ، وهو ذات الماكنة التي ساهمت في تثبيت عقدة ” استحالة هزيمة إسرائيل والجيش الذي لايقهر ” ، وأن أي مواجهة مع الكيان تعني بالضرورة الخسارة الفادحة …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى