مقالات

هيئة التدريس بجامعة صنعاء …أزمة سكن بقلم| سامية الأغبري

بقلم| سامية الأغبري

يخيل للكثير من الموظفين في مؤسسات الدولة، أن دكاترة جامعة صنعاء على وجه الخصوص، يتمتعون بالحق في السكن الجامعي، وكانوا دائمًا محسودين من قبل الجميع، لدرجة أن الكثير واصل الدراسات العليا والتحق بالجامعة كي يحظى بالامتيازات التي تتوفر لعضو هيئة التدريس بجامعة صنعاء، ومنها السكن المناسب في الجامعة، والتأمين الصحي، و… و…، وبالفعل في البداية كان الأستاذ الجامعي يحصل على سكن مؤثث ومتوفر فيه الماء والكهرباء مجانًا، وبكل سهولة ويسر، ولكن مع مرور الوقت وزيادة عدد كادر أعضاء هيئة التدريس، توقف بناء مساكن جديدة، وبخاصة العمارات الهياكل التي تنتصب داخل مبنى الجامعة الجديدة شاهدة للعيان، حيث لم يتم استكمال بنائها نتيجة خلاف لم يحسم مع وزارة الأوقاف.
وأتذكر حين تعينت في كلية الإعلام، وسجلت ضمن الجمعية السكنية لأعضاء هيئة التدريس، ودفعت رسوم التسجيل في الأراضي التي منحت لأعضاء هيئة التدريس قرب الجامعة، كان الأمل يحدونا في الحصول على سكن مع زملائنا وزميلاتنا، وسلمت لنا خرائط الأرض، وكان هناك تحمس لا محدود من قبل نقابة أعضاء هيئة التدريس، قلت في نفسي: الحمد لله سيتم تعويضي عن الأرض الخاصة بالجمعية السكنية لموظفي المؤسسات الإعلامية، والتي تاهت بنا في دهاليز المحاكم منذ أمد طويل.
وكانت تعقد الفعاليات والوقفات الاحتجاجية للمطالبة بالأراضي الخاصة بأعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء، وذلك لتمكينهم من البناء والاستقرار السكني، ليتمكنوا من أداء رسالتهم العلمية بالشكل المطلوب، ولكن اليأس بدأ يعشش لدى الدكاترة بسبب المماطلة والتمويه من قبل الجهات المختصة، وبدأ استئجار عمارات للدكاترة -الذين لم يتمكنوا من السكن داخل الحرم الجامعي بسبب قلة عدد العمارات والشقق داخل أسوار الجامعة- فسكنوا خارج الجامعة في المساكن التي استأجرتها الجامعة، وبخاصة في شارع الرباط، وحصل بعض الدكاترة على شقق بالقرعة، وبعضهم بالوساطة.
ورغم ذلك، لم يكن هناك مساكن كافية لكل أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، كما سبقت الإشارة، لعدم تكملة بناء العمارات التي داخل الحر م الجامعي في جامعة صنعاء الجديدة، وكذا الأراضي التي خصصت لأعضاء هيئة التدريس خارج الجامعة.
وكنت باعتباري عضو هيئة تدريس في جامعة صنعاء، طالبت، عام 2012، بسكن داخل الجامعة، فقيل لي في إدارة الإسكان بالجامعة: عندما يخرج زميل أو زميلة من أي شقة خارج الجامعة، بلغينا، ويمكنك السكن، لأن الشقق داخل الجامعة كلها مشغولة، وقد أجريت قرعة ولم تسجلي فيها، ولم يكن أحد يبلغ إلا من يعرفهم.
وصادف أن أحد الزملاء أراد تسليم شقة الجامعة الكائنة في شارع الرباط، فعرف أنني أبحث عن سكن، فبلغني، وكانت فرصة، وأسرعت بالمعاملة، واكتشفت أن السكن التابع للجامعة لم يعد ميزة كبقية دول العالم، حيث يتم خصم 30 ألف ريال شهريًا من الراتب كإيجار، وهناك شقق يتم خصم 40 ألف ريال حسب نوع ومستوى الشقة وعدد الغرف، كما أن الكهرباء والمياه لم تعد مجانية كما كانت سابقًا، ولم يعد فيها أثاث كالسابق، بل العكس يضطر الدكاترة إلى إصلاح الشقق على حسابهم الخاص.
ولعل ذلك ما دفعني ودفع الكثير من الدكاترة للبحث عن شقة أو أرض تمليك، كي يشعر بالأمان، ومع ذلك كان الكثير من الدكاترة يرون أن السكن الجامعي بالنسبة لهم أفضل، وخاصة من لديه عائلة كبيرة، أو لم يجد سكنًا قريبًا من الجامعة.
ومع أزمة انقطاع مرتبات أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء، بدأت أزمة السكن تشتد، وارتفعت الإيجارات بشكل جنوني، مما أثقل كاهل دكاترة الجامعة، حيث بدأت إدارة الجامعة باتخاذ عدة إجراءات خاطئة، ومنها على سبيل المثال أنها بدأت بتسكين الدكاترة الساكنين في العمارات التي استأجرتها الجامعة من السابق خارج الجامعة بالشقق التي داخل الجامعة، وذلك لكي تخلي مسؤوليتها من تحمل الإيجارات، بغض النظر عن كون البعض من هؤلاء حديثي التعيين في الجامعة، بينما هناك الكثير من الدكاترة مستأجرون على حسابهم الخاص، وأقدم من هؤلاء، لم تسكنهم الجامعة رغم أن هؤلاء أيضًا عليهم التزامات ولا يقدرون على دفع الإيجارات المرتفعة خارج الجامعة.
أيضًا، قامت الجامعة بتسكين البعض ممن لا يحق لهم السكن داخل الجامعة من منتسبي المراكز، والبعض لا ينتمي لجامعة صنعاء أساسًا، فتقوم الجامعة بإخراج البعض، بينما تغض الطرف عن البعض الآخر من الهوامير الكبار، وهذا فيه ظلم كبير لمن لا ظهر لهم.
فقد ابتدعت الجامعة في لائحتها أن من يملك سكنًا خاصًا ملكًا يجب إخراجه من السكن، بينما هناك الكثير من المقربين وأصحاب النفوذ، يملكون سكنًا ملكًا، ومع ذلك لم يوجه لهم خطاب أو إنذار بالإخلاء.
كما تنوي الجامعة إخراج المتقاعدين والأرامل، وهذا يتعارض مع قوانين التسكين، وهو ما يؤكده قرار رئيس الجامعة رقم 79 لسنة 2020، بإصدار اللائحة الداخلية المنظمة لإسكان أعضاء هيئة التدريس، ففي الفصل الثالث بعنوان قواعد التسكين تنص المادة 9 على أنه يشترط لحصول عضو هيئة التدريس على شقة سكنية تابعة للجامعة أو مستأجرة من قبلها، ما يلي:

وجود شقة سكنية فارغة في المساكن المملوكة للجامعة أو المستأجرة من قبلها.
ألا يكون مالكًا لسكن خاص به في العاصمة صنعاء أو عواصم المحافظات.
أن يكون عاملًا فعليًا في الخدمة الجامعية (وهو ما يعني ضمنيًا إخراج المتقاعدين والأرامل).
تكون الأولوية في التسكين بحسب الدرجة العلمية (أستاذ، أستاذ مشارك، أستاذ مساعد)، مع الأخذ بعين الاعتبار ما ورد في الفقرة 1 من هذه المادة.
وهناك الكثير ممن يملكون سكنًا خاصًا بهم، ولكن هذا السكن يعد ضيقًا عليهم، ولذلك قاموا بتسكين أولادهم المتزوجين في ملكهم الخاص، وسكنوا هم وزوجاتهم في سكن الجامعة، حيث لا يتسع سكنهم الملك لهم جميعًا. هؤلاء وجهت لهم الجامعة الإنذار بالإخلاء، بينما بعض من يملكون الفلل والقصور ويسكنون داخل الجامعة، لم تخاطبهم الجامعة.
فمشكلة سكن جامعة صنعاء معقدة، فقد شاركت نقابة أعضاء هيئة التدريس أيام د. حمود الظفيري، لحل هذه الإشكالية، وكانت قد خرجت بلائحة أقرها مجلس الجامعة في حينه (أيام د. فوزي الصغير)، وراعت فيها النقابة حل جميع هذه الإشكاليات بصورة عادلة للجميع، لكن تم حاليًا إضافة مواد تتعارض مع قوانين الإسكان.
وهناك تقرير يتحدث عن التجاوزات في السكن، ويعطي بعض التوصيات حول حل هذه التجاوزات، تم اعتماد هذه التوصيات من قبل مجلس الجامعة، ولكنها لم ترَ النور للأسف.
وهناك مذكرة من رئاسة الجامعة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي (د. حسين حازب)، تذكر فيها بوضوح أن السكن الجامعي ميزة، وليس حقًا، وأنه ليس “شؤون اجتماعية” ليتم تسكين الأرامل والمتقاعدين! في إشارة واضحة إلى أنهم ينوون إخراج المتقاعدين والأرامل.
وهذا ما صرح به في أكثر من مرة، عدد من المختصين بالجامعة، رغم أن رئيس الجامعة أ.د. القاسم عباس، يؤكد أنه لن يتم إخراجهم، ولكن قرار رئيس الوزراء واضح، إذ يؤكد أنه لا يبقى في السكن الجامعي إلا العاملون فقط!
وفي المقابل، حررت النقابة عدة مذكرات، وعقدت لقاءات مع وزير التعليم العالي ومجلس النواب، ومذكرة للدكتور عبدالعزيز بن حبتور، ولكن ما يضعف موقف النقابة حالات الزملاء الساكنين خارج الجامعة، وتاركين منازلهم لأقاربهم ومعاريفهم، أو تاركين الشقق فارغة بينما زملاؤهم يطردون للشارع.
وكذلك الدكاترة المسافرون من عشرات السنين، وتاركين أبناءهم المتزوجين في شقق الجامعة، كما أن هناك دكاترة مخالفين ولديهم مساكن خارج الجامعة، ويسكنون أبناءهم المتزوجين داخل الجامعة. فقضية سكن الدكاترة واقع فيها الظلم على عضو هيئة التدريس من جهتين؛ من جهة زميله عضو هيئة التدريس، ومن جهة الجامعة على حد سواء.
بل يمكن القول إن ظلم عضو هيئة التدريس لزميله أشد وأنكى من ظلم الجامعة ، ولذلك تتحجج الجامعة بأنها تعمل على إزالة الظلم عن عضو هيئة التدريس، فكما سبق القول فإن الكثير من الأساتذة القدامى قد فتح الله عليهم، وبنوا الفلل والعمارات الكبيرة، وذهبوا للعيش فيها، وتركوا شققهم في الجامعة فارغة، أو أسكنوا فيها أقاربهم أو حتى أصحابهم، بل ثبت أن البعض -وهم قلة- قاموا بتأجير هذه الشقق لغير المناسبين للجامعة، تم هذا وزملاؤهم في أشد الحاجة للسكن داخل الجامعة، كونهم عير قادرين على دفع الإيجارات في ظل انقطاع الرواتب.
ولذا فإن معالجة أزمة السكن الجامعي لدكاترة الجامعة تحتاج لتكاتف إدارة الإسكان الجامعي مع نقابة أعضاء هيئة التدريس لوضع حلول عادلة ترضي الجميع، والسعي نحو استخراج أراضي الجامعة التي بدأ العبث فيها والمطالبة بها من قبل ملاكها الأصليين، وهي قضية أخرى تحتاج لمعالجة قانونية سليمة.
فمن ينقذ أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء، والذين يعانون من عدم الاستقرار السكني الذي يؤثر بدوره سلبًا على قدراتهم في التدريس والبحث العلمي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى