محاكمة حسون وترقية المحيسني: سيف «العدالة الانتقائية» السورية ماضٍ

عامر علي – الأخبار
أثارت المحاكمات التي تجريها السلطات الانتقالية بحق عدد من رموز النظام السابق، وآخرهم المفتي أحمد حسون، جدلاً واسعاً في سوريا، في وقت تتصاعد فيه الأعمال الانتقامية في مناطق مختلفة من البلاد، بذريعة «طرد الفلول». ويأتي هذا على وقع تحذير «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» من نشر أو تداول أسماء أشخاص أو شركات أو مؤسّسات بزعم ارتباطها بملفّات لا تزال قيد الدراسة، داعيةً وسائل الإعلام والصحافيين والناشطين إلى احترام خصوصية أصحاب تلك الملفات، وذلك بعدما جرى تداول قائمة تضمّ أسماء 3500 شخص و70 شركة، أصدرت اللجنة قرارات بتجميد أصولهم.
وأثار آخر فصول المحاكمات، التي شملت هذا الأسبوع وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السابق بشار الأسد، الذي قُبض عليه بعد استدراجه إلى سوريا بحجة «إجراء تسوية»، والشيخ أحمد حسون، مواقف متناقضة في أوساط السوريين. ففي حين حظيت محاكمة الأوّل، المتهَم بقيادة عصابات مسلّحة والضلوع في تهريب المخدرات، بإجماع واسع، انقسمت الآراء بشأن محاكمة المفتي السابق بين مَن اتهم الأخير بأنه أفتى بقتل السوريين، ومن استحضر مواقفه خلال سنوات الحرب، ولا سيما إعلانه «مسامحة» قتَلة ابنه سارية، الذي اغتيل قرب حلب عام 2011.
كذلك، فتحت محاكمة حسون الباب أمام مقارنات عديدة بين شخصيات تورّطت بشكل مباشر في قتل السوريين، وباتت اليوم تحظى بمكانة وسلطة غير مسبوقتيَن، وبين الرجل الذي يرى معارضو محاكمته أنه كان صاحب خطاب وسطي وغير متشدّد. وانسحبت هذه المقارنة على عبد الله المحيسني، وهو السعودي الذي أشرف خلال الحرب على تجهيز انتحاريين وإرسالهم لتفجير أنفسهم في مواقع عديدة داخل سوريا، قبل أن يتحوّل اليوم إلى شخصية نافذة، علماً أن المذكور أطلق قبل أيام مشروعاً عقارياً ضخماً قرب دمشق، ويَظهر بين الحين والآخر إلى جانب مسؤولي السلطات الانتقالية. أيضاً، سُجّلت مفارقةُ محاكمة حسون باعتباره «محرضاً»، من دون أن يكون قد قام فعلياً بأيّ عمل مباشر أدى إلى انتهاك، في وقت يحظى فيه من ارتكب الانتهاكات ووثّقها بنفسه وقام بنشرها، بمكانة وحصانة تحميه من أي ملاحقات قضائية.
وكان الإعلان المتزامن عن محاكمتَي حسون ووسيم الأسد جاء في وقت شهدت فيه مناطق سورية عديدة أعمال عنف، وذلك عقب دعوات إلى طرد أشخاص متهَمين بالتعامل مع النظام السابق، الأمر الذي أفضى إلى وقوع عدد من الجرائم والاعتداءات، التي راح ضحيتها شخص في ريف إدلب، وآخر في ريف حلب. كما سُجّلت عملية نبش قبر قرب دمشق وإخراج جثة شخص متهَم بارتكاب انتهاكات، في حين تستمرّ الدعوات التحريضية على مواقع التواصل الاجتماعي.
كذلك، تأتي المحاكمات الأحدث بعد أيام قليلة من إطلاق الأمم المتحدة تحذيراً حول آليات العدالة الانتقالية التي تطبّق في سوريا، ومطالبتها بتحقيق عدالة انتقالية حقيقية تشمل محاكمة جميع مرتكبي الانتهاكات، وليست تشمل المرتبطين بالنظام السابق فقط. ووصف نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، في كلمة له خلال جلسة لمجلس الأمن، الأوضاع في هذا البلد بأنها «حرجة»، وشدد على أهمية محاسبة جميع مرتكبي الفظائع والجرائم الشنيعة، «وليس فقط أولئك المرتبطين بنظام الأسد»، وأن تعالَج قضايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
بالتوازي، يستمرّ الجدل الذي تثيره عمليات التسوية التي أجرتها السلطات الانتقالية مع شخصيات ورجال أعمال بارزين من عهد النظام السابق، خصوصاً بعد تداول ملف يضمّ أسماء مئات الأشخاص ممّن جرى الحجز على أملاكهم بشكل مؤقت، الأمر الذي تسبّب بأزمة كبيرة في الأسواق السورية. وفي محاولة لاحتواء تداعيات أزمة تسريب الأسماء، أصدرت اللجنة بياناً حذّرت فيه من تداول تلك البيانات، معلنةً أنها باشرت اتخاذ الإجراءات اللازمة لطلب إجراء تحقيق موسّع لتحديد مصادر أيّ تسريب محتمل للمعلومات أو الوثائق المرتبطة بأعمالها، واتّخاذ الإجراءات القانونية والمسلكية المناسبة في حق كلّ من يَثبت تورّطه في تسريب بيانات أو معلومات محميّة بمقتضى القانون، من دون أن تحدّد القانون المقصود بكلامها.
( الأخبار )




