مقالات

كتابـة عن الكتابـة بقلم| حسن عبدالوارث

بقلم| حسن عبدالوارث

كان صائماً طوال شهر رمضان الفائت ، لكنه كتب ونشر ثلاثة مقالات مزدحمة بالكذب والتضليل والزيف والتطبيل . قلتُ له أن صومه يُعدّ باطلاً ، وأن الأجر المالي الذي تقاضاه مقابل هذه المقالات حرام .. فلم يأبه لكلامي باعتباري لا أفقه في أمور الدين!

هذا الزميل من الصنف الذي يتعاطى مع منتوج قلمه باعتباره ” أكل عيش ” لا علاقة له بمفاهيم الصدق مع الذات قبل الآخرين ، واحترام المبادىء والمُثُل والقِيم العليا . وحين أخبرته أن مهنتنا لا تقل قيمة عن المهن الجليلة المحترمة الأخرى كالطب والقضاء وسواهما ، وأن مزاوليها ينبغي أن يتحلوا بالصدق والشرف والأمانة والمسؤولية ، نظرَ اليَّ مليَّاً كمن يُفاجأ بمعلومة لم يكن يعرفها أو بحقيقة لم يكن يتصور توافرها في الواقع!

ان الكتابة عند البعض مجرد ” صنعة ” أي مصدر رزق ليس الاَّ ، وما يحيط بها من شروط وقواعد مهنية وأخلاقية ليست سوى رتوش ديكورية يحلو الحديث عنها في المحفل العام ، ولكن ليس بالضرورة تمثُّلها في قرارة النفس أو في مواجهة الذات والواقع.

وأدري أن القضايا والموضوعات المرشحة للكتابة كثيرة، بل غزيرة، أو كما يُقال بالعامية: ” أكثر من الهمّ على القلب ” .. ولذلك، لن يعدم كاتب أو راغب في الكتابة أو كل من تحكُّه يده للقبض على لجام القلم والشخبطة به، موضوعاً للكتابة مما تتقافز من موضوعات حواليه. غير أن كتابة عن كتابة تفرق – كما يُقال – أو تختلف، فناً وأسلوباً ومنهجاً. فثمة كتابة قائمة على وعي بموضوعها وايمان بمضمونها أو رسالتها، فيما كتابة أخرى لا تعدو أن تغدو خبط عشواء أو نبشاً في الرمال أو هرطقة!

فَلْنَجُلْ بأبصارنا على ذلك الركام الهائل من المقالات والأعمدة التي تزدحم بها يومياً تلكم المواقع والمنصات الاليكترونية التي باتت مستشرية كالفيروسات بعد أن قلَّ بل ندرَ وجود الصحف والمجلات في هذي البلاد وفي العالم كله. ولابد لك بعد هذا التجوال من أن تحطّ باهتمامك على عدد قليل جداً منها، وجدتها تستحق قراءتك فعلاً، وما عداها تجدها هباءً منثورا.
قالوا في المأثور منذ زمن بعيد: ” الكلام ما فيش عليه جمرُك ” أي أن تتكلم (أو تكتب، لا فرق) فهو من أسهل ما يمكن أن يبدر عن المرء.. ولكن … هل كل الكلام – أو كل الكتابة – سواء؟

كما جاء في مُحكم كتابه: “قُل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”. فهل يستوي كلام العارف مع كلام الهارف؟
وهل تستوي كتابة من يدري ماذا ولماذا يكتب، بكتابة ذاك الذي لا يريد من الكتابة الاَّ تحبير الورق أو ملء الفراغ أو نيل شهرة مزعومة؟

ويتفاخر بعضهم بأنه يستطيع كتابة مقال من ألف كلمة ببساطة وبسرعة قياسيتين!.. ولا يدري هذا المُتفاخر أن كثافة العبارة وخلاصة الجملة واختزال الفكرة هي القدرة البارعة والمهارة الفائقة، وليس الفضفضة !
ان ذلك النوع من الكتابة أشبه شكلاً ومضموناً بذلك الركام الذي تراه في مقالب القمامة الكبرى خارج المدن ، مصيرها ليس أكثر من دفنها أو احراقها أو اتلافها، لأنها مجرد خردة بلا ثمن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى