فايننشال تايمز تتساءل: هل انتهى عصر القواعد الأميركية الكبرى في الخليج بعد هجمات إيران؟

تناولت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير حديث مستقبل القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة على طول الخليج، والتي شكّلت لعقود العمود الفقري للوجود العسكري لواشنطن في الشرق الأوسط، لكن الهجمات الإيرانية المتصاعدة خلال الأشهر الستة الماضية ألقت بظلالها على جدوى هذه المنشآت ومدى حاجتها إلى إصلاح أو إعادة بناء.
وأظهرت الضربات الإيرانية، التي اعتمدت على الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيرة، هشاشة هذه القواعد الضخمة نظراً لقربها الشديد من السواحل الإيرانية، ما أجبر واشنطن على نقل قواتها وطائراتها إلى مواقع أبعد، مثل إسرائيل والأردن، لتأمينها خارج نطاق النيران.
وفي ظل هذا الواقع، يعيد البنتاغون تقييم استراتيجيته القتالية، متجهًا نحو نموذج أكثر مرونة وتشتتاً، يقوم على نشر الجنود في مواقع أصغر واستخدام مدارج مؤقتة، بدلاً من الاعتماد على القواعد الثابتة التي باتت تُعتبر إرثاً تقليدياً لا يتلاءم مع طبيعة الصراعات الحديثة. وعلّقت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأميركي السابقة، بأن بإمكان واشنطن تبني خيارات أكثر مرونة، لكنها أقرت بأن تقليص الوجود قد يُفسر على أنه تحقيق لمبتغى خصومها.
وتشير الصحيفة إلى تقديرات معهد “أمريكان إنتربرايز” التي حددت كلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بـ 11 قاعدة أميركية في سبع دول بنحو 5 مليارات دولار، في وقت لم تُدرج فيه البنتاغون هذه التكاليف ضمن ميزانية الحرب. ومع انسحاب واشنطن التدريجي من سوريا والعراق، يُتوقع أن ينخفض عدد الجنود المتمركزين في الخليج، البالغ نحو 35 ألفاً حالياً، إلى مستويات لم تشهدها المنطقة منذ ما قبل غزو العراق عام 2003.
لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه واشنطن هو كيفية تقليص وجودها العسكري دون إثارة قلق حلفائها الخليجيين، الذين ارتبطوا باتفاقية “النفط مقابل الأمن” لعقود، ودون تشجيع إيران على زيادة جرأتها. ويؤكد المحللون أن المواجهة الطويلة مع طهران دفعت الأخيرة إلى الاستعداد لتطوير صواريخ متوسطة المدى قادرة على استهداف الأردن وإسرائيل، تحسباً لأي تحركات أميركية جديدة.
ويذهب التقرير إلى أن ما يحدث اليوم يعكس انهياراً ضمنياً لـ”عقيدة كارتر” التي وضعها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عام 1980، والتي تعهدت فيها واشنطن باستخدام القوة لمنع أي دولة معادية من السيطرة على الخليج. ويعلّق المحلل غريغوري برو بالقول إن تلك العقيدة، التي وُلدت بعد الثورة الإسلامية وسقوط الشاه، يبدو أنها عادت إلى نقطة الصفر بفعل الحرب الحالية، تاركة واشنطن أمام معضلة استراتيجية بين ضروراتها العسكرية والتزاماتها الدبلوماسية تجاه شركائها الإقليميين.




