ضرب إيران: ترمب وإعادة هندسة الردع الاستراتيجي في الشرق الأوسط

خلدون أحمد حـسن عبدالله
باتت التحركات الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط—من حيث كثافة الحشد وإشارات الاستعداد—واحدة من أوسع موجات التعزيز منذ حرب العراق ٢٠٠٣، ومحور اهتمام الإعلام والرأي العام، خصوصاً مع ما تسرّب عن توجيهات بإخلاءٍ جزئي لطاقمٍ دبلوماسي أمريكي في بيروت كإجراء احترازي وسط تصاعد التوتر. ومع حديثٍ متزايد عن مهلة سياسية/تفاوضية مرتبطة بالملف النووي ومسار محادثات في جنيف، يصبح السؤال الأكثر تداولاً: هل نحن أمام ضربة فعلية، أم أمام استعراض قوة هدفه ردع طهران وتعديل شروط التفاوض؟
لكن السؤال الأعمق—والأكثر حرجاً عند المهتمين—ليس عن مدى احتمالية وقوع الضربة، بل عن الجدوى الاستراتيجية التي يمكن أن تحصدها واشنطن من أي عمل عسكري، في بيئةٍ أثبتت أن تغيير النظام في إيران هدفٌ مكلف ومفتوح النهايات، وأن ضرب البرنامج النووي مغامرة عالية المخاطر سياسياً وإقليمياً، وهو ما يدفع كثيرين لقراءة الحشد الحالي بوصفه امتداداً لما يسمّونه “عبثاً استراتيجياً”. غير أن هذه القراءة—على شيوعها—تحتاج إعادة تقييم ضمن سياقٍ إقليمي أوسع من الثنائية الأمريكية–الإيرانية، بل وحتى من ثلاثية إضافة إسرائيل.
الردع التقليدي: إيران تكسر القواعد عبر الوكلاء
ظلّ مشهد الشرق الأوسط، الموسوم بالعداوات والتوجسات، محكوماً لعقودٍ بقواعد الردع بين الأطراف المتنافسة. في المقابل، امتلكت إيران—في مراحل كثيرة—القدرة على القفز فوق معادلة الردع وكسر قواعدها ليس بالاشتباك المباشر، بل عبر “تمرير الصراع” إلى الوكلاء. والنتيجة أن الارتدادات المباشرة تُحمَّل على الحلفاء المحليين، بينما تحصد طهران عوائد جيوسياسية، وتستطيع تجاوز “الخطوط الحمراء” من دون أن تدفع ثمن هذه التجاوزات.
تكرر هذا المنطق بدرجات متفاوتة مع الحوثيين وضرباتهم على السعودية ما قبل التهدئة في ٢٠٢٢، وكذا مع حزب الله، ومع ميليشيات عراقية وسورية استهدفت مصالح حلفاء واشنطن ونقاط تموضعهم—لتتشكل بيئة ردعٍ “مبعثرة” جغرافياً عبر ساحات متعددة، وسياسياً عبر طبقات من الإنكار والمسافة.
ترمب: من “ردع الوكلاء” إلى “ردع المركز”؟
الفرق الجوهري—إن صحت قراءة ما يجري—أن إدارة ترمب، على عكس سابقتها، لا تتعامل مع الأزمة بصفتها ملف “أذرع” فقط، أي أنها تحاول نقل الردع من نمط التعامل مع الوكلاء باعتبارهم وحدات منفصلة إلى نمط تحميل المركز المسؤولية الكاملة عن أفعال الأطراف التابعة له. وبالتالي محاولة تغيير قواعد الاشتباك واعتبار أي تحرك من أي فصيل فعلاً إيرانياً خالصاً. وعليه يغدو الحشد العسكري محاولة لإعادة احتكار “مفتاح التصعيد”، ومنع إيران من الاستفادة من ميزة “الإنكار” وميزة “توزيع المخاطر” عبر الوكلاء، وبالتالي محاولة لإعادة تركيب الردع على نحوٍ جديد.
العمليات المرتقبة والأثر المتوقع
بينما يظل سيناريو الاستعراض العسكري لغرض الضغط الدبلوماسي تفسيراً وارداً، تبدو خيارات واشنطن في العمليات العسكرية بعيدة عن الحرب الشاملة أو تغيير النظام—على الأقل بأخذ الجدوى الاستراتيجية في عين الاعتبار—ما يرجح قيامها بضربة محدودة شديدة التركيز تُصاغ لتحقيق ثلاثة أهداف سياسية-ردعية تتمثل في إعادة الهيمنة على التصعيد وإعادة تعريف المسؤولية بما يحول سلوك طهران تجاه الوكلاء.
إلا أن الأهداف الأمريكية تعتمد بدرجة كبيرة على استجابة طهران للتهديد، في الوقت الذي تقدم تجارب الردع السابقة لطهران درساً حوّل عواقب الامتثال كما في الحالتين الليبية والعراقية.
لهذا يقف النظام الإيراني أمام مفترق طرق، فعلى المدى القصير تُقيّم طهران خيار التعنت وثمن الضربة، إذا ما وقعت، في مقابل ثمن تفاديها عبر الرضوخ للطلبات الأمريكية. بينما على المدى الطويل يبرز السؤال عما إذا كان التراجع والرضوخ يشتري أمناً مستداماً أم يمهد لعودة الضغط بصورة أشد كما تبرزه الذاكرة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
خيارات الرد الإيرانية وانعكاساتها
بينما لا تمتلك إيران القدرة على التصعيد الرأسي والمباشر ضد الولايات المتحدة، يظل الخيار المتاح لطهران في توسعة الصراع أفقياً على المستويين الجغرافي والنطاقي، وذلك بضرب مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة، وهو ما قد يذهب أبعد من حدود الأهداف العسكرية نحو سلاسل الإمداد والمصالح الاقتصادية سواء بالضربات المباشرة أو عبر إغلاق مضيق هرمز، وهو ما سيفضي—كما تأمل طهران—إلى رفع تكلفة الحرب على واشنطن وشق الصف بينها وحلفائها نظراً لتباين تفضيلاتهم في المشهد.
في هذا السياق قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيار إيقاف الحرب، وهو ما يعتمد إلى حد كبير على مزاوجة طهران بين الحرب والدبلوماسية بما يحفظ مخرجاً لائقاً لواشنطن. وهو ما إذا لم يكن مطروحاً، فهذا يعني بقاء أمريكا بين خيار الخروج المهين أو التصعيد الأشد نحو حرب إقليمية أوسع، وبالتالي احتمالية إسقاط الردع إلى نقطة يصعب بعدها استعادته؛ لأن كل طرف سيقرأ تراجع الآخر كضعف، ويقرأ تصعيده كضرورة دفاعية، فتتحول الأزمة من إدارة تصعيد إلى انفلات غير محكوم.
ملحق:
الحالة اليمنية: سباق مع الزمن على هامش ضيق
تُظهر الحالة اليمنية بوضوح كيف تتقاطع إعادة هندسة الردع مع حسابات الدول الإقليمية الهشة. فمن زاوية أولى، تدفع احتمالية الضربة الأمريكية على إيران المملكة العربية السعودية—بصورة عكسية—إلى محاولة التهدئة مع طهران، لتجنب أي ارتدادات مباشرة في حال قررت إيران الرد عبر توسعة الصراع أفقياً ضد مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة. وفي هذا السياق، بدت زيارة الأمير خالد بن سلمان إلى طهران—عقب التصعيد مع إسرائيل في أبريل ٢٠٢٥—إشارة رمزية بأن المملكة لا ترغب في أن تُقرأ كجزء من أي عمل يستهدف إيران مباشرة.
ومن زاوية ثانية، قد يدفع التصعيد الأمريكي—بل وأكثر من ذلك، الضربة إن وقعت—المملكة إلى تكثيف مسار التهدئة مع الحوثيين، ومحاولة تقليص منسوب التوتر عبر تفاهمات مرحلية، ولو كان ثمنها تقديم تنازلات في ملفي الحكومة الشرعية والقضية الجنوبية قبل مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي المزمع إقامته في الرياض في موعد لم يُحدد بعد.
وبالتالي تكمن المفارقة في أن إعادة هندسة الردع بين واشنطن وطهران قد تنتج—على المستوى اليمني—إعادة هندسة موازية لتوازنات الداخل، لكن على حساب الفاعلين المحليين. وبذلك تجد الحكومة اليمنية، ومعها القوى الجنوبية، نفسها أمام سباق مع الزمن: إما ترتيب الصفوف، وتوحيد الرؤية السياسية وفق صيغة عادلة تحتوي المطالب الشعبية، وإعادة بناء القرارين السياسي والعسكري على نحو متماسك، أو فقدان الهامش المحدود المتاح لها للتأثير في صياغة المشهد وطرح حلولها ورؤاها.
يظل هناك بصيص أمل في سيناريو مخالف، في حالة توصلت واشنطن وطهران إلى تفاهم يعيد ضبط ميزان الردع وفق تفاهم يتضمن اتفاقاً نووياً يسمح لطهران بالاحتفاظ بحق التخصيب تحت رقابة أممية، ويتغافل عن ترسانتها البالستية مقابل تخليها عن وكلائها واستراتيجية تمرير الصراع، وهو ما سيضع الحوثيين في كفة منفردة أمام السعودية والأطراف اليمنية المقابلة.
إلا أن هذا الاحتمال، إذا ما تحقق، فهو لا يبطل المقاربة في الأعلى، فحتى مع تراجع إيران سيظل الحوثي عنصراً معطلاً ورقماً فارقاً في توازن القوة الداخلي ما لم يكن هناك اصطفاف في المعسكر المقابل وفق المحددات المذكورة سلفاً.




