مقالات

حرب ضد الحرب.. المواجهة باللاعنف خيار الشعوب المجرَّب بقلم| عبدالباري طاهر

بقلم| عبدالباري طاهر

تدق الحرب اليمنية أبواب عامها الثامن. فحصيلتها من القتلى قرابة الثلث مليون إنسان، وأكثر من الثلث معاقون، والمشردون في وطنهم أكثر من ثلاثة ملايين.

ليس في اليمن مدينة أو قرية إلا وفيها ضحايا من القتلى والمعاقين والمشردين. لقد دمرت الحرب البنية التحتية الهشّة، كما طال القصف الأحياء السكنية، والأسواق الشعبية، والمدارس، والمستوصفات، والطرقات، والجسور، وصالات العزاء والأعراس.

موتى الأوبئة الفتاكة والمجاعة يزيدون عن قتلى الحرب، وأطراف الحرب الأهلية والإقليمية والدولية، على كثرتهم، لا همَّ لهم إلا المغانم، والتفرد بالحكم، واقتسام النفوذ، وتحويل اليمن -كل اليمن- إلى ساحة قتال، واليمنيين إلى “شقاة مياومين” في الحرب، وتفكيك اليمن وتمزيق نسيجه.

عجزت كل الأطراف عن الحسم العسكري، وما عجزوا عن الحصول عليه بالحرب لا يمكن الحصول عليه بالحل السلمي، وهنا مصدر استعصاء الحل.

الحل الأممي بعيد، والمبادرات الآتية من هذا الطرف أو ذاك غير جادة، وانتظار الحل الذي يأتي من التفاوض في فيينا لا يلبي الإرادة الشعبية.

ارتهان اليمن للصراع الإقليمي قد حوَّلَ اليمن إلى رهينة، واليمن الذي ما مر عام ليس فيه حرب، يعرف كيف يحقق السلام؛ فاليمنيون وحدهم الأقدر على صنع السلام في بلادهم التي دمرتها حرب بالوكالة، وطبعًا لن يتحقق ذلك إلا بالبراءة من الصراع الأهلي، ومن الارتهان للحل الإقليمي، ومن باب أولى البراءة من المضي في طريق الارتهان للصراع الإقليمي أو الدولي، والأهم امتلاك الإرادة والتخفف من الرهان على الخارج.

الحروب في اليمن منذ آماد متطاولة غالبًا ما تبدأ أهلية، ثم تستنجد بالإقليمي أو الدولي، وتنتهي بالاحتلال الأثيوبي، والفارسي، ودخول المماليك، والاحتلال العثماني المتكرر، وحتى النجدة القومية المصرية في مواجهة التدخل السعودي والبريطاني بعد ثورة 26 سبتمبر 1962.

الصراع الإقليمي: الإيراني-السعودي الإماراتي، المسنود من أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا آثاره التدميرية كارثية؛ فهو يغطي الأرض اليمنية كلها، وزمانيًّا يدخل الآن العام الثامن، ولا أفق للحل.

التصعيد الأخير في مأرب وشبوة وتهامة، إنما يؤكد على صعوبة الحسم العسكري، واستعصاء الحل السياسي، والمأساة أنه كلما طالت الحرب، وازدادت جرائمها وآثارها التدميرية كلما قل الاهتمام الدولي بها، حتى إن منظمات الإغاثة الدولية تتحدث عن توقف المساعدات. إنها حرب ضد اليمن بامتياز، ومع طول أمدها يتسيد الصراع الإقليمي، وتغيب القضايا والإرادة اليمنية.

اليمن، البلد الفقير المعزول والمحاصر والمحروب والمنكوب بالأوبئة والمجاعة، لا أحد يهتم بمأساته، والمشكلة الحقيقية أن قياداته السياسية كلها همها مصالحها الخاصة، وصراعاتها دائمًا من حول النفوذ، والمال، والتفرد بالسلطة، ولكل الأطراف مصلحة في إطالة أمد الحرب، ولكلٍّ أهدافه الخاصة.

الشعب اليمني -ضحية الحرب- هو من يريد إطفاء نيرانها؛ فالحرب قد عطلت الحياة برمتها؛ فلا أعمال متوفرة، والزراعة محصورة بعدم توفر المشتقات النفطية، وانحباس الأمطار، وكلفة اليد العاملة، والتجارة خارج البلد، أو مضيّق على أصحابها، والمدارس أغلقت في مناطق القتال، والمدرسون بدون مرتبات شأن كل موظفي الدولة، والقطاعين: العام، والخاص.

الحرب التي تقتل الإنسان والحياة لا يفيد منها إلا تجار الحروب، ومشعلوها الحالمون بتمزيق اليمن يرسمون سيناريوهات لأكثر من “كانتون”، غير مدركين أن الحرب المفروضة لا يمكنها طمس هوية شعب، أو محو ذاكرته، أو إزالته من الوجود؛ فالحياة دومًا أقوى من الموت، وذاكرة الشعب اليمني، وامتداده العربي القومي واسع وعميق الجذور، وحضارته حية وقوية وخلاقة في نفوس أبنائه، وقد صهرته التجارب، وأنضجته المحن، وعركته الحروب الممتدة والمتطاولة عبر تاريخ يمتد إلى الغزوة الرومانية التي انكسرت قبل ميلاد السيد المسيح، مرورًا بالغزو الحبشي والفارسي والبرتغالي والعثماني والبريطاني، وفي كل الحروب كان ينتفض، ويضمد جراحه، ويعيد بناء ما دمره الغزاة والمحتلون.

حرب السنوات السبع الرعيبة قد أصابت الشعب في مقتل، واستهدفت كيانه وحضارته ووجوده، والأخطر، الأوهام التي غرستها الحرب في التشكيك في يمنيته، وخلق كيانات جهوية ومناطقية وطائفية وسلالية عفى عليها الزمن.

ليست المرة الأولى في التاريخ الذي يجد اليمني نفسه في مواجهة أخيه اليمني؛ فالفساد والاستبداد اللذان حكما ودمرا الوحدة في حرب 1994، هما المساءلان بالدرجة الأولى عن الحالة التي وصلنا إليها. وحقيقةً، فإن الحروب الأهلية هي البوابة الكبرى والسبب الرئيس للتدخل الأجنبي، وهي من يستدعيه، ويستعين به لانتصار الأخ على أخيه، كما يدونه عالم الاجتماع ابن خلدون، وتؤكده حقائق وواقع التاريخ في غير بلد، وبالأخص في اليمن، ولغز أبو الهول الآن: كيف تخرج بلادنا من كارثة الحرب؟

كيف يتحقق السلام في كل ربوعها؟ وكيف التخلص من التدخل الأجنبي، والصراع الإقليمي، والعدوان؟

والردّ على الحرب بالحرب وظيفته إطالة أمدها، وهذا ما تشهده الحالة اليمنية، ولا يمكن أيضًا أن يكون الرد: “إذا لطمك أحد الأشقياء على خدك الأيسر، فأدر له خدك الأيمن”، ولكن الرد هو الحرب في مواجهة الحرب؛ إنها حرب اللاعنف في مواجهة الحرب، وهو الخيار الذي جربه وانتصر به الشعب الهندي بزعامة القائد العظيم المهاتما غاندي، والذي تعلم منه رفيقه وتلميذه الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا، وانتصر به مانديلا ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

إن ثورات العصر الكبرى قد جربت هذه الحرب السلمية، وانتصرت بها في غير بلد؛ في تركيا، وإيران: ثورة المشروطية مطلع القرن العشرين الماضي، وانتصرت به إيران عام 1977؛ فقد تصدى الشعب الإيراني بصدور عارية لأحد أعتى جيوش العالم، كما أن الثورة الروسية (الثورة الاشتراكية)، أو الانتفاضة المسلحة أساسها مظاهرات عام 1906، والتي بدأت بمظاهرات النساء في 23 فبراير 1917، وواضح أن هذا اليوم هو يوم المرأة العالمي، وكان بداية الثورة في عصرنا، عشرات الثورات انتصرت باللاعنف، سواء كحركات تحرر وطني، أو ثورات وطنية: الفلبين، وجنوب أفريقيا، والنرويج، والتشيك، وبولندا، وجواتيمالا، والتشيلي.

الانتفاضتان الفلسطينيتان 1987-2000، حققتا ما عجزت عن تحقيقه ثلاثة حروب، والانتفاضات السودانية، وآخرها انتفاضة 19 ديسمبر 2018، والمشتعلة حتى اليوم تدق أبواب النصر.

حرب اللاعنف في الربيع العربي أسقطت أعتى الدكتاتوريات العربية في تونس ومصر وليبيا والسودان واليمن.

ليس أمام اليمنيين إزاء الإصرار العامد على إطالة الحرب وتدمير وتمزيق الوطن غير مواجهة الحرب بحرب اللاعنف ضد كل أطراف الحرب، والإعداد والتهيئة في طول اليمن وعرضها، لرفض الحرب ومشعليها وتجارها، والأهم كسر حاجز الخوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى