مقالات

المجتمع المدني في اليمن.. الواقع والمأمول بقلم| حسين السهيلي

بقلم| حسين السهيلي

ست سنوات حرب، ومثلها كفاح ومعاناة لم ينجُ منها أحد في اليمن، فكلٌ يأخذ حصته من تبعات هذه الحرب بطريقة أو بأخرى، باستثناءات قليلة ونادرة تخص سماسرة الحرب وتجارها، أما الغالبية من أبناء اليمن فقد اكتوت ولا تزال تكتوي بالنيران المستعرة في هذا البلد المنسي، دونما تضامن متكامل من الخارج، فكل أشكال الدعم، وإن بدت في ظاهرها كبيرة إلا أنها نتيجة لبعض السياسات أو لسوء الإدارة، لا تزال منقوصة.

موظفون بلا رواتب، مؤسسات تعليمية دون تعليم، قطاع صحي متدهور، وضع معيشي متدني، وقطاع خاص غير آمن، حتى المغتربين لا تفارقهم هواجس العودة المقيّدة بإغلاق المطارات وقطع الطرقات الداخلية، وتقييد الحوالات الخارجية إلى بعض المناطق، فالكل في هذا البلد له شواغله وتحدياته الخاصة التي يجمعها حاضر غامض ومستقبل غير واضح المعالم، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني المحلية، فهي منذ بداية الصراع لم تأل جهداً في المساهمة بجهود الاستجابة الإنسانية إلا أنها تواجه مطبات كبيرة ومتعددة تمنعها من لعب دور قيادي في جهود الاستجابة أو بناء شراكات استراتيجية مع المنظمات الدولية أو الوصول المباشر إلى موارد المانحين، وهي بذلك لم ترضِ تطلّعات الداخل ولا غرور الخارج.

وبالرغم من أننا كعاملين في المجال الإنساني والتنموي وبناء السلام نبذل جهود جبارة ومضنية، في إطار رسالتنا وواجبنا الإنساني تجاه مجتمعنا المتضرر والمتأثر من هذه الحرب العبثية والكارثية، إلا أننا نواجه صعوبات ومعوقات جمّة، سواءً في ما يخص تراجع التمويل أو بسبب تأخر المانحين والممولين في توريد الدفعات المالية، ما انعكس على تضاعف الضغوط علينا، حتى وصل بنا الأمر إلى العجز في مواجهة النفقات التشغيلية، وعدم رضى المجتمع المحلي من التدخلات والمشاريع الإنسانية التي نقوم بتنفيذها، والمجتمع على حق في كثير من الأحيان، كون معظم التدخلات التي نقوم بها لا تلبي احتياجاته أو لا تتم في الوقت المطلوب والمناسب.

وفي الوقت الذي أصبح فيه عمر الحرب يناهز السبع سنوات، وفي حين يعيش اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إلا أن المنظمات المحلية لا تزال تعمل كشريكة من الباطن مع المنظمات الأممية والدولية دون وجود أدنى مؤشرات لتحقيق شراكات استراتيجية، فضلاً عن أن المانحين الدوليين لازالوا مغيّبين وبعيدين عن الواقع، نظراً لعدم وجود قنوات توصل مباشرة تربطهم بالمنظمات المحلية المتواجدة على الأرض وفي المقدمة، إذ أن المنظمات الأممية والدولية كانت ولا تزال تلعب دور الوسيط في كل المجالات والتدخلات في هذا البلد.

يأتي ذلك بالرغم من التزام الجهات المانحة والمنظمات الأممية والدولية بتوطين العمل الإنساني، وفقاً للاتفاقيات المكرّسة في “الصفقة الكبرى”، و”الميثاق من أجل التغيير”، لكن للأسف، لا توجد أي خطوات أو مؤشرات لتوطين العمل الانساني في اليمن، وهو ما انعكس بدوره على إعاقة جهود المنظمات الوطنية في تمكين المجتمعات المحلية، ووضعها في عجز مالي دائم، ما أدّى إلى الحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات وبناء أسس صلبة للاستجابة المستقبلية، حتى وصل الأمر بالكثير من المنظمات المحلية أن اضطرت لتسريح العشرات من عمالها، وأصبحت عاجزة عن صرف رواتب موظفيها الرئيسين.

لم يعد سراً أن المجتمع الدولي لم يفي بالتزاماته تجاه المجتمع المدني اليمني، ولم يحافظ على مستوى الدعم الإنساني، فضلاً عن سوء إدارته للمنح المقدمة لليمن، ما انعكس بدوره على غياب المساءلة في ما يخص الالتزامات بتوطين المساعدات الإنسانية، وبالتالي إلى تراجع قدرة منظمات المجتمع المدني على تلبية الاحتياجات الإنسانية بالشكل المناسب، الأمر الذي يستدعي ضرورة توطين العمل الإنساني، وتفعيل الاتفاقيات والمواثيق الدولية في هذا الجانب، بما يقود إلى تطوير عمل المنظمات المحلية، من خلال بناء أسس متينة للاستجابة الإنسانية، ووضع تصورات وبرامج للاحتياجات المستقبلية، تسهم جميعها في التمكين الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي سينعكس في المحصلة على تعزيز الاعتماد الذاتي والمساهمة الفاعلة في جهود التنمية وبناء السلام.

وهنا، أوجه نداء بإسمي وباسم مؤسسة تمدين شباب، إلى المانحين والممولين الدوليين بإعادة النظر في استراتيجية تدخلاتهم الإنسانية في اليمن، وبعلاقاتهم مع المنظمات المحلية، من خلال بناء علاقات استراتيجية معها، ومشاورتها لتحديد الأولويات قبل اطلاق الدعوات لتقديم مقترحات المشاريع، كذلك الاهتمام ببناء قدراتها، حيث لا تحظى الكثير من المنظمات المحلية بفرصة تعزيز القدرات، كون النهج قصير الأمد القائم على مشاريع وقتية لا يوفر فرصة لعملية شاملة واستراتيجية لتعزيز القدرات، كما أنه لا يوجد تنسيق بين الجهات المانحة لتقييم القدرات، أو وضع خطط لدعم التطوير المؤسسي في المنح التي تُقدم إلى المنظمات المحلية.

دعوة أخرى أوجهها لحكومتي عدن وصنعاء لدعم منظمات المجتمع المدني وتقديم كافة التسهيلات لها، بدءاً بتفعيل وثيقة الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني المتفق عليها في 2013م، والمساهمة في إشراك المنظمات المحلية في المسار الأول المعني بجهود بناء السلام، وشملها بالرابطة الثلاثية المعروفة بالإنسانية والتنمية والسلام، أيضاً التأكيد على المانحين والممولين الدوليين، والتشديد عليهم، بتنفيذ التزاماتهم بتوطين العمل الإنساني في اليمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى