بين «هرمز» و«باب المندب»: إلى أين تتّجه أسواق النفط العالمية؟

الأخبار – سلام محمد
لم تكَد تعلن صنعاء إغلاق باب المندب في وجه الملاحة السعودية، حتى عاودت أسعار النفط ارتفاعها مجدّداً، ليتجاوز خام برنت، خلال الأيام الماضية، 100 دولار للبرميل، قبل أن يتراجع إلى ما دون ذلك بقليل. وتذهب توقّعات معظم خبراء النفط وتقارير مراكز الأبحاث العالمية إلى أن الفترة القادمة قد تشهد تجاوز أسعار النفط عتبات جديدة، ولا سيما في حال قرّرت واشنطن تصعيد حربها في المنطقة، وهذا ما يبدو واقعياً بالاستناد إلى جملة مُعطيات، لعلّ أبرزها الآتي:
– إمكانية استهداف الولايات المتحدة منشآت الطاقة في إيران، والذي ستردّ عليه الأخيرة بالمثل، أي باستهداف منشآت مشابهة في المنطقة، تستثمر فيها في معظمها شركات نفطية أميركية.
– دخول مضيق باب المندب على خطّ المواجهة؛ وإذا كانت صنعاء تستهدف، في المرحلة الراهنة، ناقلات النفط السعودية فقط، فإن قيام واشنطن بتنفيذ ضربات عسكرية على المدن اليمنية سيُقابل بإغلاق المضيق كاملاً، وهو ما سيكون كفيلاً، في الحالتَين، بإيقاف صادرات النفط السعودية التي كانت تمرّ عبر «باب المندب»، والمُقدَّرة بأكثر من أربعة ملايين برميل يومياً، وتعطيل سلاسل الإمداد في أحد أهمّ الممرّات المائية في العالم.
– اضطرار معظم دول العالم إلى الاستعانة بمخزوناتها الاحتياطية الاستراتيجية والتجارية لتعويض النقص الحاصل في الإمدادات، الأمر الذي من شأنه إدخال هذه الاحتياطيات في حالة الخطر الشديد. ورغم أن المخزون العالمي ارتفع في الشهر الماضي بنحو 21 مليون برميل، لأوّل مرّة منذ أربعة أشهر، وفق ما تشير إليه بيانات «وكالة الطاقة الدولية»، فإن ترميم آثار أكبر عمليات السحب في التاريخ، التي قُدّرت بنحو خمسة ملايين برميل يومياً خلال الربع الثاني من العام الحالي، يحتاج عادةً إلى وقت طويل، وإلى زيادة في التدفقات النفطية إلى الأسواق العالمية واستقرارها. كما أن العملية تصبح أكثر تعقيداً مع اقتراب موسم الشتاء، فكيف إذا استمرّت الحرب وتوسّعت نحو السيناريو الأكثر إرعاباً للاقتصاد العالمي؟
ثلاثة سيناريوات
لم تعُد الحرب نفسها هي الخطر الأكبر الذي يتهدّد الاقتصاد العالمي اليوم، وإنما إمكانية تطوّرها إلى استهداف منشآت الطاقة، الأمر الذي يعني دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود التضخّمي الواسع، وانهيار الأمن الغذائي لمئات الملايين من البشر، وفقدان ملايين فرص العمل، في حين ستكون المنطقة العربية، بطبيعة الحال، الأكثر تأثّراً. في هذا الإطار، تتوزّع معظم توقّعات الاقتصاديين والمؤسّسات الدولية للاقتصاد العالمي على ثلاثة سيناريوات هي الآتية:
– السيناريو الأول قائم على عدم توسيع الولايات المتحدة بنك الأهداف، واستمرار تحييدها منشآت الطاقة والبنى التحتية المرتبطة بها عن دائرة التدمير الواسع، وهو ما ستُقابله إيران بردّ متناسب، وفقاً لما جرت عليه العادة منذ بدء الحرب في شباط/ فبراير الماضي. وفي مثل هذا السيناريو، سيكون الاقتصاد العالمي على موعد مع تأثيرات لا تختلف كثيراً عمّا سبق، من حيث تحرّك معدّلات التضخّم، وتراجع فرص تحقيق معدّلات نمو جيدة، وزيادة عمليات ترشيد استهلاك النفط، والسحب المنضبط من الاحتياطيات النفطية.
– السيناريو الثاني يتمثّل في تنفيذ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تهديداته باستهداف منشآت الطاقة في إيران وإلحاق أضرار جسيمة بها، وهو ما ستُقابله طهران بردّ مماثل ومتناسب. وفي هذه الحالة، سيُسجّل ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز؛ بل قد يتجاوز سعر برميل النفط، بحسب بعض التقديرات، 150 دولاراً للبرميل، ولفترة ليست قصيرة – بالنظر إلى ما ستحتاج إليه عملية إعادة تأهيل المنشآت المتضرّرة من وقت وكلفة -. وهذا ربّما ما جعل الصين، وفقاً لبعض الأنباء، تُسارِع إلى شراء خامات النفط الروسية القادمة من الشرق الأقصى.
– السيناريو الثالث، وهو الكارثي على العالم، يفترض انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة تدمّر اقتصاداتها، وتحوّلها إلى كرة من اللهب من شأنها أن تلتهم كلّ مؤشرات التنمية التي راكمتها دولها على مدى عقود، وتتسبّب للاقتصاد العالمي بأزمة اقتصادية عميقة. والأزمة المتوقّعة هذه، لا ترتبط فقط بتعطّل إمدادات النفط والغاز لسنوات، واستنزاف احتياطيات الدول الاستراتيجية والتجارية، وإنما أيضاً بخروج منطقة استراتيجية من خريطة الاستثمارات والتجارة وفرص العمل، إضافة إلى ما يمكن أن ينجم عن انهيار السلم والأمن العالميَّيْن من تداعيات على اقتصادات جميع دول العالم.
مشاريع بأسئلة متعدّدة
لكن ماذا عن «البدائل» التي تُطرح حالياً بغية الاستغناء عن مضيق هرمز أو تقليل الاعتماد عليه؟ قبل مناقشة مدى قابلية هذه المشاريع للتنفيذ وتحقيقها الهدف المُعلَن منها، لا بدّ من الفصل أو التمييز بين الرؤى والمشاريع المستقبلية التي لا تزال قيد الدراسة والنقاش، وبين الواقع الراهن واستمراريته.
فما دامت تلك «البدائل» غير جاهزة حالياً لوضعها في الخدمة، فإن مضيق هرمز سيبقى، إلى جانب مضيق باب المندب، ولسنوات عدّة، المُتحكِّم والمؤثِّر في جميع صادرات منطقة الخليج من النفط والغاز والمُنتجات البتروكيماوية – باستثناء ما يصدّره العراق حالياً عبر خطّ أنابيب ميناء جيهان التركي، وبالصهاريج عبر ميناء بانياس السوري -.
تقوم فكرة المشاريع البديلة، المُروَّجة والمدعومة أميركياً، على بناء شبكة أنابيب ضخمة تربط دول الخليج بكلّ من الأردن وسوريا ولبنان وتركيا، بغية إيجاد ممرّات جديدة للطاقة، بديلة أو مُكمِّلة لمضيق هرمز، بحسب ما يمكن أن تسفر عنه الحرب الحالية من نتائج واتفاقات. إلا أن هذه المشاريع تثير تساؤلات عدّة تتعلق بكلفها المرتفعة، ومصادر تمويلها، وأثر ذلك في عائدات الدول المُصدِّرة، والرسوم التي سوف تتقاضاها الدول التي ستمرّ عبرها تلك الصادرات قبل وصولها إلى الأسواق المُستهدفة، والجدوى الاقتصادية المتحقّقة، ولا سيما عندما تتعدّد مقاطع النقل (من خطوط الأنابيب إلى السفن). والأهمّ من ذلك، التغيّر المرتقب في تركيبة الأسواق المُستهدَفة؛ فكما هو معروف، فإن الأسواق الآسيوية هي الوجهة التصديرية لمعظم نفط الخليج، إلا أنه مع البدائل الجديدة ستكون الأسواق الأوروبية هي المُستهدَفة غالباً.
كلّ ذلك يجعل المشاريع المطروحة في مواجهة اختبار صعب عندما تعود حركة الملاحة إلى طبيعتها المعتادة في مضيقَي هرمز وباب المندب، سواء من حيث التكاليف، أو الرسوم، أو الزمن، أو الأسواق المُستهدَفة. وهذا ما حدث مثلاً عندما اضطرّت السفن إلى تجنّب «باب المندب» أثناء حرب الإبادة على غزة، والاتجاه نحو رأس الرجاء الصالح؛ إذ ما إن عاد الهدوء إلى المضيق حتى سارعت السفن إلى تغيير مساراتها لتَعبره من جديد. ولذا، يفضّل أحد خبراء الطاقة وصف المشاريع الجديدة المطروحة بأنها خطط لـ«التنويع»، لكنها لا يمكن أن تكون لـ«إسقاط» الممرّات التاريخية والاقتصادية.
” الأخبار”




