مقالات

الأبعاد الجيوسياسية لفك الارتباط في اليمن والبديل اللا مركزي

خلدون أحمد حسن عبدالله

مقدمة: بين الشرعية القانونية والواقعية الجيوسياسية
يحفل النظام الدولي الحديث بجملة من المبادئ القانونية والأخلاقية التي يفترض أن تنظم العلاقات بين الدول والشعوب، وعلى رأسها مبدأ حق تقرير المصير الذي برز في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتكرّس لاحقاً في ميثاق الأمم المتحدة (1945) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). غير أن التجربة التاريخية للنظام الدولي تكشف أن إنفاذ هذه المبادئ ظل دائماً رهناً لتوازنات القوة والحسابات الجيوسياسية، التي تشكل المحدد الفعلي لسلوك الدول ومواقفها تجاه قضايا الانفصال وإعادة تشكيل الحدود.
في هذا السياق الواقعي، يغدو أي مشروع سياسي يتجاهل الأبعاد الجيوسياسية مشروعاً قاصراً، بل ومعرضاً لإنتاج نتائج عكسية تتجاوز نواياه المعلنة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تقييم خيار “فك الارتباط” في اليمن ينبغي ألا يُقارب بوصفه مطلباً سياسياً مشروعاً أو حقاً قانونياً مجرداً، بل باعتباره تحوّلاً جيوسياسياً شاملاً على المستويين الوطني والإقليمي، يعيد تشكيل موازين القوة، وأمن الممرات البحرية، وبنية النظام الإقليمي في البحر الأحمر والجزيرة العربية والشرق الأوسط على المستوى العام.
أولاً: نقاط مرجعية لتحليل فك الارتباط
يقوم هذا التحليل على أربع نقاط مرجعية:
أن توازنات القوة والأبعاد الجيوسياسية تمثل المحدد المركزي لتطورات النظام الدولي، وتتقدم عملياً على الاعتبارات القانونية المجردة.
أن الدولة الحديثة هي كيان وظيفي، تتمثل مهمته الأساسية في ضمان الأمن والعدالة والتنمية لمواطنيه، وهو ما يشكل جوهر العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع.
أن الدولة أداة وليست غاية بحد ذاتها، وأن معيار نجاحها أو فشلها يقاس بقدرتها على تحقيق الأمن والكرامة والازدهار للمواطنين.
أن كفاءة الدولة هي محصلة تفاعل دائري بين بنيتها الداخلية السياسية والاجتماعية، وتموضعها الجيوسياسي الخارجي ضمن توازنات القوة الإقليمية والدولية هو ما يعيد طرح النقطة الأولى ويضع جميع النقاط السالفة بصفتها حلقة متكاملة.
وبالاستناد إلى هذه النقاط الأساسية، فإن مستقبل وشكل الدولة في اليمن يجب أن يُنظر إليه كأداة مزدوجة الوظيفة: أداة داخلية لتحقيق الأمن والعدالة والازدهار، وأداة خارجية لحماية السيادة والتفاعل الإيجابي مع البيئة الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن نقاش مستقبل القضية الجنوبية يستلزم تقييماً شاملاً لكافة الخيارات في ضوء المعطيات الداخلية والتوازنات الجيوسياسية المحيطة.
ثانياً: الأبعاد الجيوسياسية لفك الارتباط
تمثل مسألة فك الارتباط في اليمن تحولاً جيوسياسياً عميقاً تتجاوز تداعياته الإطار الوطني لتطال المستويات الإقليمية والدولية، وهو ما يمكن تفصيل أبعاده وانعكاساته على النحو الآتي:
شرعنة الكيان الحوثي وإعادة تشكيل توازن القوة الإقليمي
يبرز أول إشكال جيوسياسي لفك الارتباط في احتمالية نشوء كيان سياسي شمالي مستقل تقوده جماعة الحوثي، في مقابل الكيان الجنوبي. في هذه الحالة، ينتقل الحوثيون من وضعية “فاعل متمرد” خارج إطار النظام الدولي، إلى “دولة معترف بها” تمتلك حق إقامة العلاقات الدبلوماسية، وشراء الأسلحة بشكل رسمي، والانخراط في المنظمات الدولية والتحالفات العسكرية.
هذا التحول لا يمثل مجرد تغير قانوني، بل انقلاباً نوعياً في توازن القوة الإقليمي. إذ ستتحول علاقة الحوثيين مع إيران – أو أي أطراف دولية أخرى – من شبكة دعم غير رسمية إلى علاقات بين دول ذات سيادة، بما يضفي شرعية دولية على شبكة تحالفاتهم العسكرية والسياسية. ومن منظور الواقعية الجيوسياسية، فإن نشوء كيان موالٍ لإيران في شمال اليمن سيخلق ما يشبه “كياناً حاجزاً” في خاصرة الجزيرة العربية، بما يعيد تشكيل التوازن الاستراتيجي في الإقليم.
السيادة على باب المندب وفقدان العمق الجيوستراتيجي
ترتبط الإشكالية الثانية بمسألة السيادة والولاية القانونية على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. فالميزة الجيوسياسية لليمن تتمثل في امتداده الجغرافي الذي يربط بين السواحل المطلة على بحر العرب وخليج عدن جنوب شرق المضيق، والسواحل الغربية المطلة على البحر الأحمر شماله، ما يجعل اليمن الدولة الوحيدة المطلة – عملياً – على الضفتين الجغرافيتين للمضيق.
كما يعزز هذا الامتداد امتلاك اليمن لجزر استراتيجية، أبرزها جزيرة ميون الواقعة في قلب المضيق، إضافة إلى عشرات الجزر في جنوب البحر الأحمر مثل كمران وأرخبيل حنيش وزقر وجبل الطير. وقد منح هذا الاتصال الجغرافي اليمن عمقاً جيوستراتيجياً، وولاية قانونية على مناطق اقتصادية خالصة مترابطة، بما يعزز قدرته على التأثير في أمن الملاحة الدولية.
إن فك الارتباط، في هذه الحالة، يعني عملياً تفكيك هذا الامتياز الجيوستراتيجي، وتحويل باب المندب من فضاء سيادي مترابط إلى مجال مجزأ بين كيانين سياسيين متنافسين، بما يضعف القدرة على ضبط الأمن البحري، ويفتح المجال لتدخلات إقليمية ودولية أوسع في إدارة هذا الممر الحيوي.
ارتهان الممرات المائية الجنوبية لتهديدات الساحل الغربي
الإشكالية الثالثة تتعلق بتأثير الانفصال على أمن الممرات البحرية الجنوبية. فمع سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، سيظل أمن خطوط الملاحة المتجهة من وإلى الموانئ الجنوبية – مثل عدن والمكلا – عرضة لتهديد دائم، سواء عبر الهجمات المباشرة أو من خلال رفع تكاليف التأمين البحري وعزوف شركات الشحن الدولية عن استخدام هذه الموانئ.
وبذلك يتحول الانفصال من حل سياسي داخلي إلى مصدر دائم لعدم اليقين في البيئة البحرية، بما يضعف القدرة الاقتصادية للدولة الجنوبية الوليدة، ويجعل ازدهارها الاقتصادي مرهوناً بإرادة فاعل معادٍ يملك أدوات تهديد غير متكافئة.
تشابك الجغرافيا والمجتمع واستدامة التوتر
لن يؤدي فك الارتباط وإعادة ترسيم السياسية الحدود إلى تبديل الخطوط الجغرافية الطبيعية والمجتمعية المتشابكة في كلا الاتجاهين. ما يعني تحويلها إلى نقاط تماس سياسية وأمنية قابلة للاشتعال.
في هذا الإطار، ستظل الدولة الجنوبية – إن نشأت – عرضة لتوترات مستمرة على حدودها مع الشمال، إضافة إلى التنافس الداخلي بين المكونات المحلية، ما يحدّ من قدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي طويل الأمد.
تدويل المسألة اليمنية وإعادة إنتاج حروب الوكالة
يرتبط الموقع الجغرافي لليمن، وعمقه الاستراتيجي في البحر الأحمر، بتحول أي تبدل في بنيته السياسية إلى مسألة ذات أبعاد دولية تتجاوز الإطار المحلي. فاضطراب السيطرة على باب المندب وسواحل البحر الأحمر يؤثر مباشرة في أمن التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يدفع القوى الكبرى إلى تبني مواقف مبنية على مصالحها الاستراتيجية وتفضيلات خصومها.
في هذه الحالة، قد يؤدي فك الارتباط إلى إعادة إنتاج نمط الحرب الباردة و استدعاء “حروب الوكالة”، حيث تنقسم الكيانات اليمنية بين محاور إقليمية ودولية متنافسة في سياق إقليمي أكثر هشاشة وتعقيداً.
ثالثاً: الحتمية الجيوسياسية للوحدة وإشكالية الواقع السياسي والحل اللا مركزي
تُظهر القراءة الجيوسياسية أن بقاء اليمن موحداً يمثل، من منظور توازن القوة وأمن الممرات البحرية، خياراً أكثر استقراراً للإقليم، بل وللجنوب ذاته على المدى البعيد. غير أن هذا الاستنتاج يصطدم بواقع سياسي واجتماعي يتسم بتجربة وحدوية فاشلة ومطالبات شعبية جنوبية لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بوصفها حالة هامشية.
في جوهرها، تعكس المطالب الجنوبية بحثاً عن الإنصاف، والتحرر من التهميش، والحصول على نصيب عادل من السلطة والثروة والحقوق المدنية والسياسية. وإذا كانت الدولة أداة لتحقيق هذه الغايات، فإن أي صيغة سياسية قادرة على تحقيق الأمن والعدالة والكرامة، مع استيعاب المحددات الجيوسياسية، تظل حلاً جديراً بالاعتبار بغض النظر عن شكلها الدستوري.
في هذا السياق، تبرز اللامركزية – بمختلف نماذجها من الفدرالية إلى الحكم المحلي الموسع – بوصفها الخيار الأكثر واقعية في الحالة اليمنية. فاللامركزية تتيح توزيع السلطة والموارد على الوحدات الإدارية، وتمنع تسلط مركز سياسي واحد، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الإطار السيادي الموحد الضروري لضبط الأمن القومي وإدارة الممرات البحرية والتفاعلات الدولية.
وتكمن المعضلة الجوهرية في ضمان عدم تكرار تجربة ما بعد 1994، وما رافقها من انهيار للتوازنات السياسية. غير أن الضمانات الحقيقية لا تكمن في الرهان على نوايا الفاعلين السياسيين، بل في بناء بنية مؤسسية وهيكلية تمنع احتكار السلطة. ويتحقق ذلك عبر تصميم دستوري يرسخ للحكم اللا مركزي واستقلال القضاء، ويجعل تعيين قياداته خارج نطاق السلطة التنفيذية، ويوفر آليات فصل حقيقية بين السلطات، بما يخلق سلطة تحكيم محايدة بين المكونات المتنافسة.
الخلاصة: نحو نقاش مؤسسي حول شكل الدولة
إن النقاش في السياق الجنوبي–الجنوبي، وكذلك على المستوى الوطني، يجب أن ينتقل من ثنائية “الوحدة أو الانفصال” إلى نقاش أعمق حول شكل الدولة ونمط توزيع السلطة ومستوى اللامركزية القابل للتطبيق في اليمن. فالمعضلة الحقيقية ليست في الاسم الدستوري للدولة، بل في قدرتها الوظيفية على تحقيق الأمن والعدالة والازدهار، دون الانجراف نحو التفكك والبلقنة.
وعليه، فإن المقاربة الجيوسياسية تشير إلى أن فك الارتباط، رغم مشروعيته السياسية في نظر مؤيديه، يحمل مخاطر استراتيجية عميقة قد تعيد تشكيل اليمن بوصفه ساحة تنافس إقليمي دائم، وتحوّل موقعه الجغرافي الحيوي من مصدر قوة سيادية إلى مصدر هشاشة مزمنة. وفي المقابل، فإن تبني نموذج لامركزي مؤسسي متين قد يمثل الصيغة المتوازنة القادرة على استيعاب المطالب المحلية، مع الحفاظ على وحدة الجغرافيا السياسية التي تشكل شرطاً ضرورياً لاستقرار اليمن والإقليم على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى