لماذا خيار الدولة اليمنية الاتحادية؟

وضاح اليمن الحريري
مدخل:
يبدو هذا السؤال، كانه خارج سياق المكان والزمان المناسبين، بالقياس الى الضجيج العالي، الذي يحدثه صوت مشروع استعادة الدولة الجنوبية، الذي يسعى كما يبدو لشغل كامل مساحة الحوار الجنوبي القادم المتوقع عقده في الرياض، بينما الواقع وفق القراءة الموضوعية في إطار خيار استراتيجي قابل للانجاز والتنفيذ، يقول ان خيار الدولة اليمنية الاتحادية، هو اقرب كثيرا من خيار استعادة الدولة الجنوبية، مبنيا ومبررا بما سنتناوله أدناه، أما الباقي من المتطلبات فيمكن التعامل معه، بعد تحديد الخيار الاستراتيجي والعمل من أجله فهو عبارة عن تفاصيل يمكن مناقشتها والحوار حولها.
ا. إعادة التموضع للقضية الجنوبية:
لطالما شكلت القضية الجنوبية، بمفهومها الواضح، برد الاعتبار للجنوب، في شراكته في دولة الجمهورية اليمنية، بمضمون القضية بابعادها السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية، قضية عادلة، تميزت لاحقا بمسارين تمايزا عن بعضهما، الاول وكان له الصوت الأعلى، الذي يعبر عن مشروع استعادة الدولة الجنوبية، مستخدما لنظريته المؤسسة على فكرة الهوية والأرض، هذه الدولة التي سميت بدولة الجنوب العربي، مبتعدا بمسافة واضحة عن المسار الثاني، الذي ظل على الاسم المبدئي القضية الجنوبية، مما نتج عنه مع سير التاريخ وتطور أحداثه، ابتعاد المسارين عن بعضهما تماما، مع بقاء النظرة نحوهما، لمن لم يتابع جيدا جدلية التطور التاريخي لهما ولأحوال اليمن، على كونهما أمرا واحدا يحتاج لحل عادل وشامل وهذه النظرة قاصرة ولا تفهم المسارين وجوهر كل منهما.
لست هنا بصدد التفاصيل والاسباب والتبعات المتعلقة بما وصل اليه الحال، بكل مسار منهما، بما يفرض أن يعيد على اساسه، النظر في تقييم الوضع السياسي الذي تشغله القضية ومآلاتها، على صعيد الواقع، لكن سأتعامل من زاوية تتناول الشق الموضوعي للتقييم، سأتجه الى قراءة الواقع القائم والمحيط بالقضية، بنوع من التركيز على مؤشرات الفرص والمعوقات على النحو الآتي:
١. اسفرت احداث أزمة حضرموت والمهرة في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، كنتيجة، عن استقلالية واضحة للمنطقة الشرقية في قرارها، ابتدأ من شبوة حتى حدود المهرة مع عمان، قرارها السياسي وتوجهها المستقبلي، بما يجعلها تقدم وتضع على الطاولة، مشاريعها الخاصة تماما، خارج اطار المبدأ الذي انطلقت منه القضية الجنوبية في مشروع استعادة الدولة، التي تفترض وحدة الجنوب في قراره السياسي.
٢. نتيجة بناء مشروع استعادة الدولة الجنوبية، على اساس عصبوي قائم على فكرة العرقية الجنوبية، التي قادت الى تمييز واضح بين الناس في المدينة والعاصمة عدن، بالقياس الى جنوبية البشر والعلاقات والامور، بمعيار ما هو الجنوبي من غير الجنوبي، اسفرت تلك التجربة القاسية على عدن، عن تمزيق نسيجها الاجتماعي، مهددة بعمق مواطنيتها ومدنيتها، شاملا ذلك ارتباط المدينة بفكرة الدولة وبنائها، منذ وقت مبكر، مما قاد الى تقسيم المجتمع بحدة، الى فئات وجماعات ديمغرافية فقط، في تنكر واضح لانصهارهم في فضاء المدينة، معبرا عن فجوة شاسعة، بين مصير المدينة ومواطنيها في عالميتها وتعددها الحيوي، عن الخيار السياسي الذي كان يراد له أن يفرض قسرا عليها.
بالنظر سريعا للنقطتين السابقتين اعلاه، مع تعليق الاسباب والعوامل الاخرى، نستطيع ان نصل الى الاستخلاصات الآتية:
أولا: أن فكرة الدولة الجنوبية، القائمة على جغرافية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، صارت صيغة لا تحقق، في المدى المنظور على الاقل، اي معنى عن مفهوم وحدة الجنوب، لأن الخيار السياسي شرقا صار متميزا عن هذا المشروع، كما صار غربا في عدن، لا يستجيب لواقع وحياة الناس بعد أن عبر عن نفسه بشكل عنصري سافر وعنيف.
ثانيا: اقرب الحلول الممكنة، القائمة على شروط المصلحة والموضوعية، صارت تقتضي النظر، الى أن الحل الانسب بعد تطورات ديسمبر ٢٠٢٥، هو ان الحفاظ على الجنوب متقاربا ومتماسكا، يتطلب النظر الى الجنوب، في اطار الدولة الاتحادية اليمنية، باعتبار أن هذه الدولة الاتحادية، ستساهم في حفظ فرصة بقاء الجنوب، كما ستضمن له تنفيذ الحل العادل في اطارها الجيوسياسي، والمدني والاستراتيجي، لأن غير هذا الخيار يعني أن يظل الجنوب مستنزفا ونازفا في سياقات أخرى، هي مصدر للصراع أكثر من كونها أدوات للحل.
ثالثا: لابد من اعادة تموضع القضية الجنوبية، ضمن مسار القضية الجنوبية وحلها العادل، في بنية الدولة الاتحادية اليمنية، لا من خيار استعادة الدولة الجنوبية، الذي اصيب اصابات جسيمة لاسباب متعددة ومختلفة.
رابعا: حتى لو اتجه الحل في الرياض، نحو استعادة الدولة الجنوبية كحل توافقي، يظل الامر مرتبطا بالتسوية اليمنية الشاملة مع الحوثيين ومن في سلتهم، في وقت لاحق، سواء جاءت هذه التسوية بالحرب او بالتفاوض السلمي، إذن حتى يأتي ذلك النهار كان قريبا أم بعيدا، سيظل الجنوب يمنيا، سواء متجمعا او ممزقا وعليه فإن عامل الوقت، سيكون عنصرا حاسما ومؤثرا في طبيعة القرار ورؤى المتحاورين.
بناء على الفقرات الأربع السابقة، يتضح من أول وهلة، ان الخيار المستبعد او الأقل حظوظا في النجاح، هو خيار استعادة الدولة الجنوبية بمسماها دولة الجنوب العربي، بينما ترتفع بورصة أسهم خيار او مشروع الدولة اليمنية الاتحادية، التي تحل في اطارها القضية الجنوبية، حلا شاملا وكاملا وعادلا، في سياق اعادة بناء الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها.
أنوه إلى إنه من الاجدى والأكثر نفعا للجنوبيين، أن يتفقوا سريعا في الخيار الاستراتيجي، الذي أرجحه هنا، في خيار الدولة اليمنية الاتحادية، كي ينهمكوا مباشرة، في تفاصيل بنيتها وعلاقاتها وكل ما يلزم، لتحقيق حل القضية الجنوبية بما يرضي الجنوبيين، شرقا وغربا وفي اي جغرافية جنوبية، في الشراكة السياسية في السلطة بكامل مستوياتها وفي الثروة وفي قضايا وعناوين اخرى، ستملتئ الاوراق بتفاصيلها، حيث يكمن الشيطان في هذه التفاصيل.
ب. خيارات شكل الدولة وبنائها:
يجب أن نكون كما أرى، على ادراك كامل بأن اقرب الأشكال، الممكنة والقابلة للتحقق، هي:
١. شكل الدولة اليمنية الاتحادية المكونة من أقاليم:
٢. شكل الدولة اليمنية الاتحادية المؤسسة على اتحاد المحافظات:
٣. شكل حكم لامركزي، محلي واسع/ كامل الصلاحيات:
طبعا لم أكمل هنا التصورات حول الأشكال الثلاثة، ضمن الخيار الاستراتيجي للدولة اليمنية الاتحادية، بعبورها وارتباطها العضوي والعميق، بحل القضية الجنوبية، لأني أتوقع ان يتم وضع تفاصيلها، في مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، حيث سيضعه المتحاورون بأنفسهم.
ج. علاقة الحوثي بالحل الجنوبي:
تتعلق مصلحة الجنوبيين بمدى نجح حوارهم، من أجل الحل العادل للقضية الجنوبية، الذي رجحنا أن يكون فيه شكل الدولة اليمنية اتحاديا، بما يضمن الشراكة الكاملة للجنوب، بما يحفظ النظام الجمهوري ومدنية الدولة ويكافئ الفرص ويخلق توازنا بين القوى والتيارات المختلفة، الأمر الذي على الارجح لن يعجب الحوثيين، لأسباب عدة، أهمها أن قوة الحوثي المتجسدة حاليا، بمنطقة نفوذه وقدرته العسكرية والسلطوية، ستضمحل وتنكمش الى مستوى معين لا يرغب به، أما في حالة أن السيناريو الجنوبي، ذهب نحو استعادة الدولة الجنوبية فإن الحوثي الذي سيدعي الدفاع عن الوحدة، سيرتاح بما سيوفره له هذا السيناريو، من فرص الانفراد بالمناطق التي يسيطر عليها، بل قد يذهب ابعد من ذلك بتأسيس دولته أيضا، كما سيضر هذا الفعل الجنوبيين في استمرار الحوثي بالحرب، اضافة لتهديده الدائم لأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وبما يمس مصالحنا الجمعية القائمة على تأمين خطوط الملاحة وانشطتها التجارية.
في حالتي الاتجاه نحو التسوية بالحلول السلمية التفاوضية او الحرب واستمرارها، سيحمل الحوثي كرت الجنوب، بالصيغة التي سيسعى فيها لتحقيق مآربه، في هذه الحالة فإن سحب البساط من تحت أقدامه، بتفويت فرصة فرض الكارت الجنوبي من الحوثي، باعتبار إنه الوحدوي والوطني الوحيد، من خلال توافق الجنوبيين على الخيار الاكثر موضوعية وعملية ويخدم مصالحهم المشتركة جميعا، سيوفر وقتا وجهدا كبيرين، بالنسبة للإقليم و للجنوب، هذا بعد اخر يجب أن يؤخذ في النظر عند عقد الحوار الجنوبي – الجنوبي.
الخاتمة:
على الجنوبيين أن يدركوا، بالحسابات السياسية او بالوعي والتفكير والموضوعية، أن استعادة الدولة الجنوبية لا يعني بالضرورة أن الحل العادل للقضية الجنوبية سيتحقق وسينفذ، لقد وضح من السنوات التي مضت والممارسات التي انقضت، المسافة الكبيرة والمساحة الشاسعة بين مشروع القضية الجنوبية، السياسية بامتياز وضرورة تقديم اطروحات متعددة، تساهم في حلها حلا عادلا وكاملا ومقنعا، من خلال تصورات تنعكس في صورة اجراءات ملموسة، متعددة المجالات وواسعة الافق وبين مشروع الدولة الجنوبية، مشروع الهوية والأرض، بدون برنامج حقيقي وفعلي للحل العادل، بقدر ما كان مشروعا ضيقا جدا، جسد عنصرية حادة وتمايزا واضحا وشمولية انتهى عهدها، كما أن على الجنوبيين أن يدركوا بأن نجاح الحوار الجنوبي هو نجاح لهم جميعا، لكل الجنوب أرضا وانسانا.. ونجاحا لقضيتهم.




